الغزي

39

نهر الذهب في تاريخ حلب

ثم إن نهر عفرين قد يتسع في أيام الشتاء اتساعا عظيما حتى يعسر المرور منه ، مع أنه قد يجف في أيام الصيف أو يقارب الجفاف . وفي سنة 1300 انعقد عليه قرب قرية الزيادية في ناحية الجومة من أعمال كلّيس جسر حجري عظيم غاية في الإتقان والزخرفة . وحين انتهاء عمله أولم المجلس البلدي عنده وليمة حافلة دعا إليها جميع وجهاء الولاية من أمراء الحكومة والعسكرية والعلماء والأعيان ، فصار يوما مشهودا بلغت نفقته أربعمائة وثمانين ذهبا عثمانيا أخذت من صندوق بلدية حلب وكلّيس وأنطاكية واسكندرونة ثم إن هذا الجسر لم يلبث إلا ريثما أتى عليه الشتاء ، وهطلت السماء بالسيول الجارفة وتدفقت على عفرين ظهور الجبال وبطون الأودية ، وساقت إليه ألوفا من الأخشاب والأشجار الجبلية ، فما كان إلا أن تعاظم هذا النّهر وطغى وحمل على الجسر حملة شديدة دكّت منه قنطرتين وساقت أحجارهما إلى مكان بعيد ، فأصبح كأن لم يغن « 1 » بالأمس . ولما كان وجوده مما لا بد منه ، لأنه معبر لطريق المركبات الذي تم أيضا في السنة المذكورة ، فقد قضت الحال بإعادته . ولضيق الصندوق البلدي عما يعيده حجرا أعيد من الخشب فاستحضرت الأخشاب العظيمة وربطت ببعضها بالحديد ونصبت كالباب العظيم على أطراف القنطرتين الباقيتين ، ورجع الانتفاع به كما كان ، غير أنه لم يلبث أيضا أن أتى عليه الصيف وعلقت به النار ولم يجتمع الناس لإطفائه إلا وقد استحال رمادا كأن لم يكن ، ثم بعد مدة أعيد خشبا على الصفة المذكورة وقد مسحت هذا الجسر بقدمي فبلغ طوله 259 قدما وعرضه 32 وقرأت ما نقش على حجرة في شمالي رأسه الغربي ما صورته : « أنشئ هذا الجسر المتين في عهد خلافة سلطان السلاطين الخليفة الأعظم صاحب الشوكة السلطان الغازي عبد الحميد خان الثاني ، وكان إنشاؤه ثمرة الهمة التي بذلها حضرة جميل باشا والي ولاية حلب وأثر مهارة رئيس مهندسي الولاية قسطنطين مادريديس أفندي ، وضع أساسه بحضور حضرة الوالي المشار إليه في اليوم الثاني من عيد الأضحى سنة 1298 هجرية . وثم إنشاؤه في ظرف سنة واحدة ، وصادف فتحه كذلك في اليوم الثاني من عيد الأضحى سنة 1299 بحضور الوالي المشار إليه ودعي اسمه المجيد جسر السلطان عبد الحميد ، وبلغت نفقة تعميره أربعة آلاف وأربعمائة وثمانية عشر ذهبا عثمانيا .

--> ( 1 ) غني بالمكان يغنى : أقام به .